مشاريع البحث العلمي بالمركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية “الغائية والماهية والكيفية والزمنية”

مشاريع البحث العلمي

بالمركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية

الغائية والماهية والكيفية والزمنية

 

بالبحث العلمي تتقدم الأمم لا بالسيارات ولا بالعمارات ولا بالفيلات ولا بالتطاول بالأبراح فجميع هذه  معروضة لمن يدفع أكثر ، من ذوى البصائر المحجوبة عن تراثهم  والعقول المسلوبة بإنجازات غيرهم .

وبما إنني ورثت عن والدي قوله : ( اللي ما عنداش غيره قص رأس خيره) لهذا أتألم كثيراً عندما أرى دولة دخيلة ومشروع اغتصاب خطير كإسرائيل يتسع كالوقر على حساب أصلاء المنطقة الكبار من العرب والإيرانيين والأتراك وبقية العناصر المستمرة التواجد في المنطقة دون انقطاع  منذ  آلآف السنين. أتحسر عندما أرى إسرائيل تسيطر أو تكاد على أهل المنطقة وأصحابها والسبب هو العلم والبحث العلمي .

المرحوم المربي الفاضل الأستاذ أمين الطيبي درسني في الثانوية بطرابلس وعرفت منه في زيارة لأهله بفلسطين أنه تعجب كثيراً من مربعات الصفيح المنتشرة في فلسطين والتي تعج وقتها بالعشرات من الباحثين والطلاب الإسرائيليين الذين يزاولون أبحاثهم ومشاريعهم العلمية بحرفية عالية وانضباطية وإصرار يتابعون به أخر مستجدات المعرفة وقتها ويحرثون الأرض ويخططون المدن ويبنون المصانع ويتابعون نشاطات المراكز البحثية العالمية ومستجداتها  المتطورة في مجالات التقنية والمعرفة العالية .

في إسرائيل اليوم أكثر من مائة وثلاثين مركزاً بحثيا عاليا ومتوسطا يتزاحمون على رقى إسرائيل ورفعتها في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية .

في ليبيا  قيل عن عشرين مركزاً بحثيا منها مركز الجهاد (المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية) والذي تزاحمت انا وزملائي الافاضل في إنشائه وتطويره من سنة 1976م حتى الآن وقتها المجتمع الليبي كان في حالة استنفار للتحرر الثقافي بعد التحرر السياسي.

كان همنا وقتها جمع ذاكرة الشعب الليبي الرسمية والأهلية ومنها الرواية الشفوية . هذا المشروع تطلب دراسة وتشاور وجلوس إلى خبراء وعلماء في مجالات الرواية الشفوية عبر المنظمات الثقافية العالمية وعبر الجامعات والمؤسسات العلمية العالمية والمحلية .

وقتها كان أبرز علماء الرواية الشفوية الأستاذ جان فانسينا بجامعة ويسكنسن والذي ساعد على تأهيل المسلسل الدرامي الأشهر وقتها وهو ” قصة الجذور” استمر التواصل والتخطيط لهذا المشروع حوالي خمسة أشهر استقر الرأي بعدها على وضع خطة بحثية شاملة تتركز على وضع استبيان من أكثر من خمسمائة سؤال تشاورنا بخصوصه مع العديد من الخبراء والعلماء المحليين والعالميين وبالذات مع الأستاذ فانسينا لأننا نطمح إلى العلمية والعالمية سعينا لكسب الأستاذ والدكتور فنسينا للإشراف على المشروع والمساهمة في تنفيذه ورغم صعوبة الوضع القائم وقتها بين بلدنا والولايات المتحدة سعينا لإقناع الرجل والدولة الليبية بالحضور والاشراف معنا على المشروع المقدر له سنة دراسية 1977م إلى 1978م .

اقتضت الخطة بعدها تقسيم ليبيا إلى دوائر بحثية من سبعة عشرة دائرة وفقا للكثافة السكانية واقتضت الخطة وضع برنامج تدريب لخمسة عشرة باحثاً في دورة استمرت شهرين ، حاضر فيها أكثرمن عشرة من كبار المختصين في الدراسات الليبية إضافة إلى خبير الرواية الشفوية الأستاذ فانسينا .

كانت الخطة تقضى بالتحرك الواسع على المستوى الليبي ، فقسم الباحثون على المناطق البحثية و زود كل باحث بسيارة وقرطاسية وآلة تصوير وآلة تسجيل وأشرطة وأربعة أنواع من الكراسات للتفريغ والمراجعة والملاحظات وغيرها .

خرجت الحملة الأولى في أبريل 1978م واستمرت أربعة أشهر استقر فيها كل باحث  في منطقته المحددة له . أثنائها قام المستشار فانسينا ومعاونيه بالتواصل المباشر مع الباحثين ومراقبتهم وتوجيههم بما بفيد المشروع .

بعد سنة سافر العالم فانسينا وتولى من دربهم من الباحثين القيام بالحملة الثانية والثالثة وغيرها.

الآن بالمركز أكثر من عشرة الأف شريط تضم روايات أكثر من خمسة عشر الف مجاهد وراوية، بهذا المشروع الذي استمر أكثر من ثلاثة سنوات صار لليبيا مكتبة صوتية لا يمكن للباحث في التاريخ الليبي الحديث الاستغناء عنها لكتابة أي عمل علمي عن ليبيا . وقد فاوضنا معهد العالم العربي الفرنسي بخصوص نسخ منه وفشل التفاوض لان ما عرض علينا لم يغرينا.

نفس التجربة تكررت مع كل مشاريع المركز العلمية وأبرزها مشروع الأضرار الذي استمر سنتين وانجز رقمنة وافية لكل الاضرار التي لحقت الليبيين من التواجد الاستعماري الايطالي بليبيا وفيما يلي جدول الاضرار الرقمي الذى جمعه الباحثون :

 

 

وبهذه الاضرار المرقمنة  تقدمت ليبيا للدولة الإيطالية طالبة الاعتراف والاعتذار والتعويض وتحصلت على بعض ما نريد.  نفس التجربة تكررت مع مشروع المنفيين الذي استمر من 1999 ـ 2004م ومع أكثر من عشرة مشاريع علمية أخرى .

البحث العلمي معاناة كما يصفها قدماء الاغريق والاقرب الينا والاصدق كما جاء في الاثر : ” لا يؤتي العلم براحة الجسد ” .

 

أ.د. محمد الطاهر الجراري

مدير مجلس إدارة المركز الليبي

للمحفوظات والدراسات التاريخية

والنائب الأول لرئيس المكتب التنفيذي

 للفرع الإقليمي العربي للمجلس الدولي للأرشيف