رمضانيات
“فلا تلوموني ولوموا أنفسكم”
تلازم التنمية بالبحث العلمي في الحضارة الإسلامية
وتأسي المركز الليبي بالمعادلة
لابد من الربط بين التنمية والحضارة لأن الحضارة لا تظهر إلا متى توفرت عوامل النمو، فالتنمية هي الشرط المادي للحضارة. وهذه التنمية لا تتم إلا بشروط أهمها العقيدة وحمولتها الثقافية المولدة لإرادة التقدم بالبحث العلمي النظري والعملي، وهذه أمور لا تستورد مثل الاختراعات المادية لكنها تستنهض.
في العقيدة الإسلامية الشرط الأول للتنمية هو البحث العلمي النظري والعملي لأن العقيدة الإسلامية تقوم على مبدأ الحق الموجود في كل الكون – حيوانه وجمـاده وإنسانه- ) أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت ( ، فالبحث العقلي المستمر والتركيب والتكوين والاختراعات هي أهم صفات المسلم وصولاً للحق الذي هو الله والذي سوف لن تعرف اعجازه إلا بالنظر في كونه عن طريق التجربة والخطأ بالبحث العلمي الجاد المشروط بالصلاح “الذين أمنوا وعملوا الصالحات“، فالمجتهد أو المتفلسف كما يعرف قديماً يجب أن يجتهد في حدود الصالح العام وهو التعمير ملتزماً بالنظم والقواعد العامة للبحث العلمي النظري والعملي القائم على المجادلة والمناظرات العلمية العقلية “وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً”.
في سورة البقرة نقرأ )وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم( هذا العجز الملائكي استكمله الإنسان المتعلم الذي زوده المعلم الأعظم بإمكانيات بدنية وعقلية جعلته قادراً على استجلاء حقيقة الله عن طريق البحث العلمي النظري والعملي في المادة التي وضعها الله بين يديه وهي الكون بحجره وحيوانه وبشره. إذا البحث العلمي هو الوسيلة لمعرفة علل الأشياء في هذا الكون أي كيفية تكوينها وبالتالي وجودها. عليه يصبح البحث العلمي النظري والعملي مستمر ودائم لمعرفة العلة الكبرى وهو الله ، ولتعمير الكون في ذات الوقت. وهذه هي التعادلية والوسطية الإسلامية الجامعة لخيري الدنيا والآخرة.
يقول ابن الهيتم
” وجود الحق صعب والطريق إليه وعر والحقائق منغمسة في الشبهات وحسن الظن بالعلماء في طبائع البشر …. وما عظم الله العلماء من —– ….. فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين المترسل مع طبعه في حسن الظن بهم بل طلب الحق هو المتهم لظنه فيهم….. المتتبع الحجة بالبرهان….. والواجب على الناظر في كتب العلوم إذا كان غرضه معرفة الحقائق إن يجعل نفسه خصما لكل ما ينظر فيه …. ويجبل نفسه…… ويتهم أيضاً نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسامح فيه إنه إذا سلك هذه الطريق انكشفت له الحقائق” (محمد الهادي أبو ريدة الثقافة 95، ص81 – 110)
ابن سينا يعرف الحكمة التي لا تأتي إلا عن طريق البحث العلمي النظري والعملي بالآتي : “الحكمة استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية على قدر الطاقة البشرية”.
صدر الدين الشيرازي يعرف البحث العلمي أي الفلسفة بقوله ” الفلسفة استكمال النفس الإنسانية بمعرفة حقائق الموجودات على ما هي عليه والحكم بوجودها تحقيقاً بالبراهين لا أخذاً بالظن والتقليد بقدر الوسع الإنساني وان شئت قلت: نُظم العالم نظاماً عقلياً، على حسب الطاقة البشرية ليحصل التشبه بالباري تعالى ( الثقافة 95 ص99)
ابن رشد يعرف البحث العلمي أي الفلسفة بالآتي” النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالاتها على الصانع” ويرى أن البحث العلمي (الفلسفة) واجب على كل إنسان وأن من يمنع الناس عن البحث العلمي (الفلسفة) المؤدية إلى المعرفة بالله إنما يبعدهم بعمله هذا عن الطريق الذي دعاهم الله بأن يسلكوه بالأمر القرآنى “قل أنظر ماذا في السماوات والأرض” .
ويضيف ابن الهيثم بأن الإنسان وحده قادر على السعادة لأنه وحده يمتلك الحكمة والحكمة عنده تبدأ بعلم حقائق الموجودات ومبادئها وعللها وأسبابها بما يحقق الطمأنينة والراحة النفسية ويتشبه بعدها في أفعاله بالله تعالى. ويعرف الحكمة بالآتي “الحكمة هي التشبه بالله وذكره في أفعاله بمبلغ طاقة البشر ” الثقافة 95 ص100″.
أما تعريف الكندي للبحث العلمي فهو :
” إن في الظاهرات للحواس لأوضح دلالة على تدبير مدبر …. وفاعلا لكل فعل …. وعلة لكل علة “، وعلى المخلوق البشري البحث المستمر للوصول لعلل المخلوقات حتى يتبين له الحق الذي هو الله.
أما الفرابي فإنه يزكي فكرة اثبات وجود الله أي الحق عن طريق البحث العلمي والتأمل التحليلي للوجود وبالنظر في العالم الذي نشاهده فيقول “لك أن تلحظ عالم الخلق فترى فيه أمارات الصنعة ولك أن تعرض عنه وتلحظ عالم الوجود المحض وتعلم أنه لابد من وجود خالق”، يستوجب الجهد المعرفي المتواصل لتعمير الكون وبالتالي الخضوع والتسليم بعظمته.
وبما أن الحق هو كل الموجود فإن (البحث العلمي) يكون في كل الكون بحثاً عن الحق الأول، وليست الغاية من البحث (العلمي) هي التعرف على الحق المباشر فقط ولكن الهدف هو الحق الأعلى الذي هو الله .
ابن الهيثم: المتوفي سنة 432 هـ يعرف البحث العلمي النظري والعلمي بالآتي “الحكمة هي علم كل حق وعمل كل نافع” وهذا هو شرط المعرفة في الإسلام اقتران العلم بالعمل النافع “يا أيها الذين أمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلوا” فالعلم بلا عمل لا قيمة له والنية لا تتم إلا بالعمل كما أن العمل لا يصح إلا بالنية “أنما الأعمال بالنيات”، فالأفكار والخيالات الغير متبوعة بأعمال وتطبيق هي معادلة غير محمودة عند الله وخلقه حتى وأن كانت شعراً “ألم ترى أنهم في كل واد يهيمون ويقولون مالا يفعلون” فالتجربة والخطأ والعمل الصالح هي أساس المعرفة الإسلامية.
والرسول يؤكد بأن تطبيق الأفكار أي العلم على الواقع صدقة للاستفادة منه في الحياة اليومية وتطبيقه وتسخيره لخدمة الناس ونشره بينهم فيقول “تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة ودراسته تسبيح والبحث عنه جهاد وطلبه عبادة وتعليمه وبدله لأهله صدقة”. عليه فتعليم العلم صدقة وتعمير الكون بالآراء والاختراعات التي تيسر الحياة وبذلها للناس صدقة لأنها ستؤدي لتوضيح صنع الباري عز وجل.
أخوان الصفا: “يرون أن الحكمة أي الفلسفة أي البحث العلمي ثلاثة مراحل يبدأ بحب العلم ثم يليها معرفة حقائق الموجودات بحسب الطاقة البشرية وآخر درجاتها هو اقتران القول بالعمل” حتى لا يكونوا من الهائمين الحالمين ويقولون مالا يفعلون”.
هذا هو شرط المعرفة في الإسلام اقتران القول بالعمل في المعامل والمختبرات ومراكز البحوث العلمية .
هذه هي الازدواجية المطلوبة ، العمل الدائم بلا انقطاع لتحقيق خير الدنيا والآخرة فالعمل لتعمير الأرض وكل الكون بالبحث العلمي هو الواجب الذي لأجله تم النزول من الجنة إلى الأرض وهو الوظيفة التي خلق الله الإنسان لها وزوده بالإمكانيات العقلية والجسدية لإنجاز المهمة.
وأختم هذه التذكرة بأهمية البحث العلمي بقول الشيخ الغزالي (يستحيل أن يكون الجهل بالحياة ديناً وأن يكون الفشل فيها تقوى، أملك الدنيا بذكاء واقتدار ثم وجها لإعلاء كلمة الله) ثم يعرج رحمه الله على السؤال المطروح في زمنه ولا يزال وهو ” في فوضى التعليم الديني عندنا تتقدم قضية : هل لمس المرأة ينقض الوضوء على قضية: هل الشورى تلزم الحاكم أم لا” .
بهذه المفاهيم المتقدمة للبحث العلمي استطاع المسلمون الأوائل الربط بين النظري والعملي بالبحث العلمي، فكان ما كان من العلوم والاختراعات في وقت كان فيه النظر لا العمل هو منطلق أغلب الفلسفات والنظريات العلمية عند الإغريق والرومان والبيزنطيين وغيرهم.
والمركز الليبي أسوة بمنهجية رواد البحث العلمي الإسلامي في الجمع بين النظري والعملي إقترح ونفذ عدة مشاريع منها:
|
المشاريع المفعلة ( كلياً أو جزئياً): 1- مشروع جمع الروايات الشفوية. 2- مشروع التجنيد والسخرة الإيطالية لليبيين. 3- مشروع مساهمة الليبيين في حرب الجزائر وفلسطين 4- مشروع معارك الجهاد 5- مشروع التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي الليبي لتدوين المتبع من سنة 1550 إلى سنة 1950م. 6- مشروع الشخصيات الليبية في الموسوعة الإفريقية. 7- مشروع الليبيون في مصر. 8- مشروع ترجمة الأعمال التاريخية القديمة عن ليبيا . 9- مشروع موسوعة الأعلام الليبية. 10- مشروع انتفاضة 17 فبراير 2011. 11- مشروع السكان في ليبيا . |
المشاريع المطلوب تنفيذها 2022م 1- مشروع المعتقلات الإيطالية بليبيا معرض ومؤتمر عالمي. 2- مشروع أطلس طرق القوافل القديمة بليبيا جامعة فرايبروج الألمانية – معروض على المؤسسة الوطنية للنفط والحكومة. 3- مشروع موسوعة التاريخ الليبي المصورة. معروض على المؤسسة الوطنية للنفط والحكومة. 4- مشروع الدبلوماسية الليبية مع دول الشمال (معروض على الشركة العربية للنفط (ابيكورب) والحكومة. 5- مشروع الاستعداد لمطالب الجالية اليهودية الليبية بالتعويض (خبراء وباحثين وحركة لإحقاق الحق). 6- مشروع الاستعداد لمطالب الإنجليز بالتعويض من الليبيين بدعوى دعم الإيرلنديين. 7- مشروع دور المرأة في ليبيا الذي باشره المركز 1986م. إضافة لمؤتمر. 8- المشاركة في المعارض والمؤتمرات بالداخل والخارج. |
وهدفت كل هذه المشاريع إلى تحقيق الآية )ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين( فالتبصر في استجابة العقل الليبي لتحديات الاستقرار والاجتماع عن طريق الاستبيانات التاريخية والروايات الشفوية والوثائق الرسمية والأسرية وغيرها من الوثائق والدراسات والأبحاث تؤدي جميعها لمعرفة الأفضل لعمارة الأرض التي خلق الله الإنسان لأجلها .
أ . د. محمد الطاهر الجراري
رئيس مجلـــــس إدارة المركـــــز

