أهمية الوثائق الأسرية في دراسة التاريخ الليبي
أهمية الوثائق الأسرية في دراسة التاريخ الليبي ( الحياة المدنية في فزان القرن الثامن عشر ) " الصراع على السلطة “ (أ.د. محمد الطاهر الجراري)

( الحياة المدنية في فزان القرن الثامن عشر )

” الصراع على السلطة “

(أ.د. محمد الطاهر الجراري)

إلحاقاً لما نشرت سابقاً عن الحياة المدنية في الصحراء على موقعي أضيف الآتي:-

الصراع على السلطة أمر طبيعي في كل الأنظمة لكن فيما يسمى الآن الديمقراطية يخرج الصوت المعارض من السر إلى العلن ومن الهمس والغمز إلى التصريح والمواجهة.

في دولة أولاد محمد التي حكمت الجنوب الليبي من ودان شمالا الى بحيرة تشاد جنوبا واستمر حكمها من (1522 الى 1813م), كان السلطان هو السلطة الأعلى لكن كان له مجلس يضم كبار القوم أي أهل الحل والعقد في المنطقة يتشاور معهم في صغائر الأمور وكبارها.

 ورغم أن الكلمة الأخيرة للسلطان إلا أن الصوت المعارض كان لا يحجب أو يضار.  المرابط علي بن محمد عمل مستشاراً للعديد من سلاطين أولاد محمد، ونال رضاهم وعطاياهم.

لكن خصوم الرجل كانوا كثراً، لا يهدؤون ولا يكلّون ويتتبعون أخطاءه ويعملون بكل الوسائل لنشرها إجتماعياً والكتابة بها إلى السلطان الذي يتجاوب معها وفقاً للمعلومات المتوفرة لديه من عماله في المناطق.   ورغم أن علي بن محمد كان أتيراً عند الكثير من سلاطين أولاد محمد إلا أن قوة المنافسين له لم تقف قط عن رميه بكل ما تستطيع الحصول عليه ضده لتبيان عيوبه وإضعاف مكانته وبالتالي عزله من مناصبه.  وتمكنوا أكثر من مرة من زعزعة ثقة السلطان فيه وإعفائه من المكانات الرفيعة التي يختص بها ، كما حدث في زمن السلطان محمد المنتصر (1804 – 1813م) الذي عفاه من منصبه.

علي بن محمد كان خصماً عنيداً و محارباً لا يهادن لكنه ملتزم بنظم فترته و بالذات قوانين اللعبة السياسية التي تمنع الدسائس و المؤامرات الخفية و تجهر بالخصومة على رؤوس الأشهاد و في وضح النهار و أمام الخصوم و المؤيدين و المعارضين، على طريقة أحزاب السلطة و المعارضة و نظم السياسة المعاصرة. لم يرسل سراً للسلطان رسائل و تقارير يخبره فيها بسلبيات خصمه الذي عينه السلطان بديلاً له في بعض الإختصاصات. لكنه عمد إلى الخصم مباشرة و جاهره بسلوكياته و سلبياته الإدارية و المالية متيحاً له الفرصة للرد في جو ديموقراطي يؤكد فيها المتنافسون على السلطة أن المعيار هو الكفائة و ليس الوجاهه أو السند القبلي أو الجهوي أو القرب أو البعد من السلطان أو الملك أو الزعيم. العبرة أو المعيار هو الأداء الصحيح للوظيفة بما يخدم الشعب و السلطة و الوطن. ولو كان لنا أرشيف يحفظ ذاكرتنا الوطنية لأعتبرنا هؤلاء و أمثالهم رواداً ومن البناة الأوائل للدولة المدنية في ليبيا.

 في الوثائق الأسرية التي ضُيع أغلبها و خُزّن الباقي في البيوت و تحت الأرض عرضةً للضياع الأبدي، عثر على رسالة لعلي بن محمد كتبها إلى خصمه محمد بن الفقيه قائد منطقة الشاطئ الجديد ينتقد فيها تصرفاته الإدارية ومغالاته في زيادة الضرائب على الناس ومحاباته للبعض على حساب الآخرين والأخطر تعديه على المال العام المجبي من المواطنين لخدمة الدولة وسلطانها.

الرسالة توضح درجة الحرية التي كان يتمتع بها البعض لنقد الآخرين وتبيان عيوبهم والمجاهرة بأخطائهم دون خوف أو تردد.  وهذه دلالة على جو الحرية التي سادت بعض فترات حكام سلاطين أولاد محمد.

الرسالة وجهت مباشرة للقائم بالوظيفة، وهذا دليل على مكانة النقاش وقوة الصراع وجديته وعدم التردد أو الخوف في التعبير عن الرأي المعارض داخل النظام الإداري لسلطنة أولاد محمد حتى ضد من إختارهم السلطان و خصهم بوظائف مهمة.

وهذه هي الديمقراطية في وقتها المحكوم بقلة وسائل الإعلام المختلفة ونظم الأحزاب والتكتلات المنظمة.

وفي الصور المرفقة نص الرسالة كما أوردها الدكتور حبيب في كتابه وثائق دولة أولاد محمد بفزان.