أ.علي عمــر الهازل
لقد تميز الإستعمار الإيطالي بإستخدام أبشع وسائل العنف، والإبادة ضد أبناء البلاد ، وذلك لأن السياسة الإيطالية كانت تسعى إلى أفراغ البلاد من سكانها، وضمها بصورة نهائية إلى إيطاليا، في ضفة الشاطئ الرابع ، لقد مارست إيطاليا مدفوعة بهذا الهدف العديد من وسائل الإبادة، منها على سبيل المثال لا الحصر، القتل الجماعي، الإعدامات بدون محاكم، الإعتقال الجماعي، بقر بطون النساء الحوامل ، ثم النفي إلى الجزر الإيطالية التي يكاد بعضها أن يكون خالياً من السكان ، اللهم إلا أصحاب الجرائم السياسية، والأخلاقية من الإيطاليين، إلى الجزر الإيطالية، كان النفي من أول جرائم الإستعمار الإيطالي في ليبيا .
كانت إيطاليا تعتقد أن التدخل في شئون ليبيا عسكرياً، بعد فشل المحاولات السلمية، سيكون مجرد نزهة بحرية ، إلا أنها فوجئت بقوة وضراوة المجاهدين في صد قواتها، مما جعلها تقف حائرة حيال ذلك، قرر الليبيون منذ اللحظة الأولى مواجهة القوات الإيطالية، وهبوا للدفاع عن البلاد دونما تردد، وكونوا حركة مقاومة قوية ، كبدت القوات الإيطالية خسائر في الأرواح، والعتاد، الأمر الذي جعل الموازين تنقلب لدى القيادة الإيطالية، لأنها كانت تتوقع إحتلالا سهلاً لليبيا، إن الهزائم المتتالية التي تعرضت لها القوات الإيطالية في كل البلاد ، وضعت مقدرة الجندي الإيطالي في مكانها الطبيعي، لقد اعترف بذلك جيوليتى رئيس وزراء إيطاليا في ذلك الوقت، في حديثه مع خليفته سالاندر اذ قال : ” … لقد كنت ازور البلاغات حول القتال في ليبيا، كي لا أبين أننا لا نستطيع أن نربح، إلا إذا كان عددنا عشرة مقابل واحد….” ونتيجة لقوة وشدة ضربات المجاهدين للقوات الغازية، منذ معركة شارع الشط – الهانى23-10-1911م ، بدأت قضية المنفيين الليبيين، تظهر على مسرح الأحداث، حيث بدأ تنفيذ عمليات النقي الجماعـي إلى الجزر الإيطالية مع نهاية هذه المعركة حول مدينـة طرابلس، وكانت أول عمليـة نفى إلى جزيـرة تراميتى، بتــاريخ 26-10-1911م ، وبلغ عدد من رحلوا في هذه العملية – 595 – منفياً، وكان يوجد من بينهم مختلف الأعمار من ذكور، وإناث وقد تلتها دفعات أخرى .
إن العمليات العسكرية المتواصلة التي قام بها المجاهدون في وجه القوات الإيطالية، أدت إلى ترحيل عدد كبير من الليبيين إلى السجون الإيطالية، وكان هذا الإجراء القاضي بترحيل المعارضين من الليبيين للغزو الإيطالي، صادرا من السلطات العليا بروما ، وقد أتخذ هذا الإجراء، أولا نتيجة لشدة المقاومة الوطنية، وثانياً لتفادى الرأي العام العالمي، الذي بدأ ينتقد القيادة الإيطالية، التي كانت تقوم بإعدام المجاهدين ويتضح ذلك من البرقية التي قام بإرسالها رئيس الوزراء الايطالي جيوليتي، إلى الجنرال كانيفا، القائد العام للجيش الإيطالي في طرابلس، والمؤرخة في 24/10/1911م .
إذ تقول البرقيه : ( .. بالنسبة للمتمردين المعتقلين – يقصد المجاهدين- سأرسلهم إلى جزر تراميتى في البحر الأدرياتيكى، مع أولئك الموجودين تحت الإقامة الجبرية، يمكنك ترحيلهم إلى هناك مباشرة، مع إعلامي بمغادرتهــم ، وان جـزر تراميتى تستطيع إستقبـال ( 400) سجين، أننى مرسل إلى هناك مفتشاً من الأمن العام، لإعداد إقامتهم … ) .
إن هدف جيوليتى من هذه البرقية يبدو واضحاً ، وهو البدء بإبعاد سكان البلاد عن ذويهم، وأرضهم، لخلق حالة من الخوف، والرعب في نفس كل من يقف في وجه القوات الإيطالية، كما يتضح منها أيضاً، أن عدد المنفيين سيكون محدوداً لا يتجاوز – 400- سجين، وأن مدة الإعتقال ستكون قصيرة ، إلا أنه في واقع الأمر، قد تجاوز عدد المنفيين العدد المذكور بعدة إضعاف وأن الإعتقال لم يشمل المجاهدين فقط، بل كان يشمل حتى من ليس له صلة بمقاومة الإحتلال الإيطالي بصفة عامة، كالشيوخ والأطفال، وأمتدت عمليات النفي على مدى مرحلة الوجود الإستعماري الإيطالي في ليبيا .
v مراحل النفي:
يمكن تحديد ثلاث مراحل مميزة لإبعاد الليبيين، عن ارض الوطن، وهى على النحو التالي:
1- المرحلة الأولى : بدأت بمعارك شارع الشط الهانى – أكتوبر – التمور – سنة 1911م وحتى قيام الحرب العالمية الأولى .
2- المرحلة الثانية : بدأت بعد أحداث معركة القرضابية مباشرة ابريل – سنة 1915، وإستمرت حتى وصول الحزب الفاشستي للحكم فى إيطاليا ، خلال شهر أكتوبر 1922م.
3- المرحلة الثالثة : بدأت مع انتهاء حركة المقاومة الليبية تقريباً، سنة 1931م – وحتى نهاية التواجد الايطالي في ليبيا خلال شهر يناير 1943م.
إن هذه المراحل الثلاث التي تم فيها النفي، شملت منفيين من كل أرجاء البلاد، بحيث شملت المرحلة الأولى سكان طرابلس وضواحيها، ومختلف مناطق الساحل الليبي، أما المرحلة الثانية فقد شملت سكان مناطق الوسط، وبرقة، والمناطق الصحراوية ، وأما المرحلة الثالثة، فكانت تشمل أناسا من كل مناطق ليبيا المختلفة .
v أسباب النفي :
لقد كانت للنفي عدة أسباب لعل أهمها ما يأتي :-
1- ذهول القادة الإيطاليين من قوة، وشدة الضربات التي قام المجاهدون بتوجيهها لقواتهم .
2- محاولة القضاء على المجاهدين وإخضاعهم ، بهدف السيطرة على هذه البلاد ، دون مقاومة وبأقل خسائر في صفوف القوات الإيطالية .
3- كان الغرض من عمليات النفي، التخلص من المعارضين للسلطات الإيطالية، وتفريغ البلاد- ليبيا- من أبنائها المؤثرين إيجابياً في حركة المقاومة .
4- كانت عمليات النفي تتم نتيجة لفشل وهزيمة الإيطاليين في بعض المعارك، مثل – شارع الشط – الهانئ – القرضابية ، فبعد أية هزيمة قوية، يلجأ الإيطاليون إلى الإنتقام من الإهالى ويقومون بإلقاء القبض على كل من يقع بين أيديهم، لقد أخذ الجنود الإيطاليون يلقون القبض على كل من يشك في أمره، كأن يشك في حمله السلاح، أو انه يعارض التدخل العسكري الإيطالي في البلاد، أو انه يشكل خطراً، على أمن الدولة الإيطالية في ليبيا.
5- جاءت عمليات النفي إلى إيطاليا، لإرضاء السلطات العليا بروما، ولإقناع عموم أبناء الشعب الإيطالي، بأن القوات الإيطالية بطرابلس، لديها القدرة على تحقيق النجاح، في إحتلال البلاد الليبية.
6- كانت عمليات النفي تنفذ وفقاً لسياسة إيطالية، تهدف إلى إفراغ البلاد من أبنائها، وكذلك تمزيق وحدة المجتمع العربي في ليبيا، هذا الإجراء أعتقد الإيطاليون أنه سيكون له رد فعل سلبي على حركة المقاومة الوطنية ضدهم.
7- بعد قيام الحرب العالمية الأولى، وإشتراك إيطاليا بها في مايو سنة 1915م ظهرت الحاجة للإيدى العاملة، لذلك قرر ساسة إيطاليا ترحيل بعض الليبيين إلى هناك بغرض الإستفادة منهم، أو المناوبة عنهم في بعض الخدمات مثل الزراعة، والصناعات الخفيفة، تعبيد الطرق، حراسة الأماكن العامة، وغيرها.
لقد كانت عمليات النفي في كثير من الأحيان، وخصوصاً في المراحل الأولى، تتم دون التأكد من هوية من يراد نفيه ، لأنه كلما تم القبض على أية مجموعة، يتم حشرها في السفن ، وترحل إلى المنافي بالجزر الإيطالية، ويعترف المكتب السياسي بوزارة المستعمرات، بخصوص هذه النقطة بأنه لا توجد بيانات وافية عن عمليات النفي الجماعي، التي قامت بها السلطات الإيطالية بطرابلس، كما تشير نفس الوزارة إلى أن المنفيين قد وصلوا إلى أماكن منفاهم، بدون أن تكون لديهم بطاقات تعريف، وأن العديد منهم توفى أثناء السفر، وقد ألقيت جثثهم في البحر .
لقد كانت بعض الجزر لا تصلح لشيء من الحياة بسبب ضآلة حجمها، وفقدانها لجميع مقومات الحياة، مثل جزيرة تراميتى، سوى لنفى من أرادت لهم سلطات روما الوصول إلى نهاية حتفهم السريع، وهو ما كان يدور بذهن الذين رأوا في هذه الجزر، خير مكان للوصول إلى مثل هذه النتيجة، عندما اختاروها مكاناً لنفى العرب.
سوف نرفق رسما بيانيا يوضح أماكن النفي في ليبيا، وايطاليا ، وأعدادهم حسب السنوات .
نحاول أن نلقي بعض الضوء على جزءٍ من جوانب الحياة القاسية، التي عاش فيها المنفيون الليبيون، في أحد المنافي الإيطالية، والتي تعرف بمستوطنة العرب المنفيين في جزيرة بونسا (ponza) ، تلك التي حشر فيها الليبيون بغير وجه حق، وبدون مراعاة لأية قواعد صحية، أو قانونية، أو إنسانية ، حيث تعرض فيها جُلهم لعدة أمراض خطيرة أدت في بعض الحالات إلى الموت. وكانت الحياة في بعض تلك الجزر أشبه بالمستحيل.
قد يكون من الصعب على الإنسان في الوقت الحاضر، أن يتصور كيف كانت حياة المنفيين في المنافي الإيطالية؟ وكيف كانت تعاملهم الحكومة الإيطالية في ذلك الوقت؟ وهل يستحقـون مثــل تلك المعاملة ؟ وما هو السبب الذي جعلهـم – المنفيون – يتعرضون لمثل تلك المعاملة؟.
أود أن أشير إلى أنني لن أحاول الإجابة على الأسئلة السالفة الذكر، غير أنني سوف أحاول مناقشة موضوع أحوال المنفيين الليبيين بجزيرة بونسا، أو بمعنى آخر، معرفة أوضاعهم من خلال بعض الوثائق الإيطالية، التي لها علاقة مباشرة بهذا الموضوع، وسيكون حديثي في هذا الموضوع منصباً عن النقاط التالية:-
1. نبذة مختصرة عن جزيرة بونسا.
2. نظام الأكل الخاص بالمنفيين العرب الليبيين بها.
3. مكان إقامة المنفيين.
كل هذا من خلال وثائق، هي عبارة عن تقرير مقدم من مفتش يدعى روميونابي مكلف ومبعوث من وزارة المستعمرات الإيطالية، للنظر في أوضاع المنفيين العرب بجزيرة بونسا، وفي أمورهم الإدارية ، وذلك قبل أن يتقرر – نقلهم إلى سجن أوستيكا – وهي جزيرة بإيطاليا، كانت إحدى المنافي التي نفي إليها الليبيون أيضاً، وذلك سنة 1915 م.
أولاً جزيرة بونسا:-
هي جزيرة إيطالية عبارة عن جرف تكاد تنعدم فيها الجبال كلية، معرضة للرياح العاصفة، التي تهب عليها من كل جانب بعنف شديد، كثيراً ما يجعل الإبحار بين هذه الجزيرة، ونابولي مستحيلاً، ويعتبر الطقس في بونسا قليل الملاءمة للمنفيين، فهي لا تحميها الجبال، وأصل معتقل بونسا، مستوطنة للمحكومين الإيطاليين في جرائم سياسية وأخلاقية، فصِّل منه قسم للمنفيين العرب.
ثانياً: نظام الأكل الخاص بالمنفيين الليبيين:-
لقد تم تحديد وجبات الأكل ونوعيته، وفق جدول يوضح ذلك، ولكن قبل الدخول في تفاصيله، نورد ما ذكره روميونابي، في تقريره عن الأكل، إذ يقول:-((… ويتكون الأكل من حصة من الخبز تزن 750 غراماً ، ومن حساء مختلف كل يوم يزن 200 غرام، ومن المكرونة، أو الأرز، ويحصل العرب في أيام الجمعة من كل أسبوع على حصة من اللحم … )).
جدول نوعية المواد الغذائية لوجبات المنفيين:-
1. حساء بالمكرونة المطلقة
المكرونة زيت طماطم بصل ملح
2. حساء بالأرز المطلق
أرز زيت طماطم معجون بصل ملح
3. حساء فول
فول زيت طماطم معجون بصل فلفل جاف حار ملح
4. حساء بطاطة
بطاطة زيت بصل ملح فلفل
5. حساء فاصوليا أو حمص
فاصوليا أو حمص زيت طماطم معجون بصل ملح
6. حساء أرز وبقول جافة فاصوليا
أرز بقول فاصوليا زيت بصل طماطم معجون ملح
7. مكرونة وبقول جافة
مكرونة فاصوليا أو حمص طماطم معجون بصل ملح
ثالثاً: مكان إقامة المنفيين:-
في هذه النقطة توجد خريطة توضح مكان إقامة المنفيين، وهي تتكون من الآتي:
1 المدخل.
2 الحراس.
3 ساحة
من 4 إلى 10 المغسلة – مستودع الماء.
11 مطبخ العرب.
11 مكرر ساحة للعرب لتوزيع الطعام.
13 – 14 السور.
من 15 إلى 24 حجرات صغيرة جانبية لنوم العرب.
25 – 26 دورة مياه للعرب.
28 الحراس.
29 أبواب مغلقة متصلة بعنبر نوم المساجين.
من 30 إلى 36 حجرات صغيرة لنوم العرب .
37 خروج من الزنزانات للساحة.
38 حجرة للنظافة الشخصية للعرب.
39 زنزانة للعرب.
48 ميداناً للنظافة الشخصية للعرب.
49 ميداناً به مستودعات غسيل لباس العرب الشخصية.
يقول روميونابي عن العـرب المنفيين في جـزيرة بونسا ما نصـه:- ((… إن العرب يحيون في كسل إجباري ينهكهم، ويجعلهم مهملين لقيافتهم، ونظافتهم، والعنبر الجماعي يشمل 17 حجرة صغيرة بها بين 6 أو 7 أسرة، عليها فراشات تبن، ووسادة وشرشاف ، وتعطى لهم بطانية صوف في الشتاء، وقطن في الصيف، ولكل عربي الحق في منشفة … والعرب أثناء فصل الشتاء الطويل القاسي، يبقون في غالب الأحوال تقريباً في القسم المسقوف الخاص بهم من السجن ملتفين بحواليهم على الأرض ، ينتظرون شعاعاً من الشمس حيث يسمح لهم بالخروج … )) بالرغم من كل هذه الترتيبات، فإن ذلك لم يقدم بشكل جيد، فهؤلاء المساكين، وبحسب رأي روميونابي نفسه، إن المواد التي كانت تقدم لهم يتم سرقتها قبل وصولها ، وذلك بالاتفاق بين المتعهد بالتموين، والطبيب، ومدير المعتقل بجزيرة بونسا.
لمزيد من المعلومات حول الموضوع يمكن الرجوع إلى كتاب الوثائق الإيطالية، المجموعة الثالثة عشر: المنفيون العرب الليبيون في جزيرة بونزا، اعداد: علي عمر الهازل، اصدار المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، طرابلس – ليبيا ،سنة 1992م








