تعظيم الجوامع واحترام الخصوصيات

تعظيم الجوامع واحترام الخصوصيات

 

 

  • الإسلام هو الذي سهل الارتفاع ببلادنا الليبية من ساحة الصراعات القبلية والجهوية واللغوية والعنصرية والجغرافية إلى مستوى من التوحد الحضاري والثقافي انصهرت فيه كل الخلافات والاختلافات في بوتقة الإسلام وتوحدت حول مبادئه وقيمه.

 

والإسلام هو الذي أعطى الجماعة الليبية التميز الذاتي والحضاري الذي واجهت به الآخر المسيحي خلال المرحلة الوسيطة والحديثة ابتداءً من الإسبان ففرسان القديس يوحنا مروراً بالإيطاليين والفرنسيين والإنجليز وغيرهم.

 

  • اللغة هي مشكّل من مشكلات الهوية الليبية فالعربية هي الهوية الدينية والوطنية في آن واحد وهجرانها يعني الاقتلاع من الجذور وهذا ما تأكد عندما واجهت معضلة ازدواجية اللغة وبالتالي الثقافة طوال العهد الإسباني فالعثماني فالإيطالي ولم تنسجم لغة الإدارة مع لغة الناس إلا في هذا العهد بعد تولي الحكم أهل البلاد من العناصر المستعملة للغة العربية لغة القرآن.
  • والأنا الليبية منذ خلق الله الكون ميز الله الإنسان بهويته الخاصة دون مخلوقاته الأخـرى وتمثل ذلك في الشكـل والمضمـون أي الجسم والعقـل، هذا التميز العام صاحبه تميز فئوي أي رغبة الجماعات البيئية، (صحراوية جبلية ….الخ) أو أثنية (أسـود أبيض … الخ) أو ثقافيـة (عربية بربرية …) أو اجتماعية أو غيرها، وأمعنت كل جماعة في تأكيد أفضليتها على الأخرى.

 

وهكذا تنافست الأنا المنتفخة الفردية والقبلية والجهوية والأثنية واللغوية لإبراز تميزها عن الآخر وحتى لا تضيع ألبست ثوب التراث لإلزام الجميع بنقلها حمولة حضارية وثقافية من جيل لآخر.

وفي التاريخ الليبي العديد من مواقف الأنا المنتفخة، وحرصاً على الوقت اقتصر على موقف اجتماع مسلاتة سنة 1918م لأبرز قيادات غرب ليبيا للتشاور للاتفاق على نظام سياسي ينقذ البلد من الفوضى والاقتتال والممثلة في القفزة السياسية النوعية فيما سمي وقتها بالجمهورية الطرابلسية.

لتحقيق هذه القفزة سنة 1918م اجتمعت عدة لجان وخبراء وصاغوا أمثولة في التنظيم السياسي الليبي وربما العربي في ذلك الوقت ووضعوه أمام زعماء المناطق الغربية الذين أضافوا وحذفوا وحذفوا وأضافوا وبقوا في جدال مطلوب وربما مفروض مادام في الصالح العام وغير مبني على مصالح شخصية أو قبلية أو جهوية أو أثنية أو مذهبية كما يحدث عادة عند اجتماع شريحة الجهلة الموصوفين بالآية (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) الدين يتحول النقاش معهم إلى داء نهى عنه الرسول “ كفى بالسلامة داء”.

أما مجالس أهل الحل والعقد في المجتمعات العاقلة فجدالاتهم للإصلاح ونقاشاتهم ستحدد مصائر البلاد والعباد، لهذا هي مطلوبة لكنها محدودة بسقف المصالح العليا للأوطان حتى لا تتحول إلى غثاء وغطاء لمصالح شخصية أو قبلية وجهوية

في اجتماع مسلاتة اختلف أعضاء الجمهورية على أمور كثيرة أوضحها محمد الفقيه حسن في رسالة استقالته حين ذكر:

” إلا أنه لم يتفق لأعضائه (المجلس) الثمانية أن يجتمعوا في جلسة واحدة ولو مرة واحدة من هذه الجلسات ” (بغني ص205)

وربما جاء خلافهم الأكبر حول من يتولى رئاسة الجمهورية فأصر كل منهم على توليها خوف العار الاجتماعي أمام قبائلهم وجهاتهم وأسرهم الذين سيفسرون ذلك هزيمة أمام الآخر وإظهاراً لضعفهم أمامه واعترافاً بتفوقه عليهم.

وهكذا أثرت ثقافة([1]) الذنب والعار في مصير اتجاه كان سيضع علامة فارقة في التاريخ الليبي وقفزة نوعية في التنظيم السياسي في المنطقة كلها.

فالخصوصية مرغوبة ومطلوبة وواجبة الاحترام لكن التمترس خلفها والإصرار عليها على حساب الكليات الوطنية يعيق وسيعيق حركة الوطن ويعرقل وسيعرقل تقدمه.

    أ . د. محمد الطاهر الجراري

   رئيس مجلـــــس إدارة المركـــــز

[1]  -محمد الطاهر الجراري، ثقافة الذنب والعار، المجتمع الليبي 1835 – 1950 أعمال الندوة العلمية الثامنة التي عقدت بالمركز في الفترة من 26 – 27/ 9/ 2000م.