لان الله خلقنا سواسية، لهذا كل واحد يري في نفسه قدوة، هذا الأشكال النفسي أدى إلى قناعة شبة عامة لدى الغالبية وهي مشروعية عدم الانحناء للأخر حتى داخل الإدارات العامة للدولة ما عني عند البعض:
- ان تلتزم بتعليمات رئيسك = نفاق
- ان تلتزم بخطة عامة داخل الادارة = نفاق
- ان تحيي رئيسك = نفاق
الأمر المفضي الى ان:
- تناكف الرئيس شجاعة.
- الالتزام بتوقيتات العمل ضعف.
- ان تعلن معارضتك لآراء المدير وتسفهها ان لم يكن علنا فبالدس والتآمر وهذه البطولة.
هذا النوع من المفاهيم بالتأكيد يعيق الإدارة التي هي خطة وجهاز يشد بعضه بعضا، فاذا تعطل جانب من جوانبها فسدت الخطة وتأخر الوطن استناداً الى المفهوم الخاطئ بأن الخضوع لا يكون الا لله.
وبالتالي لا خضوع لأحد أمام الأخر إلا بضرورتي البركة أو الدبوس قد تقول الخضوع للوطن لا الأشخاص، يرد عليك بان الوطن أوطان وفقاً لمفهومي الخاص أهمها صالحي الخاص ووطن قبيلتي الخاص ووطن جهتي الخاص وبالتالي الخضوع لفلان يعني خضوع منطقة لأخرى أو زعيم قبيلتي لزعيم قبيلة أخرى وهذا جد حساس وشبه ممنوع تأسيساً على ثقافة الذنب والعار.
هذه النرجسية الضيقة تتركز أكثر عند الأقل عدداً حيث التحفظ والخوف من الأكثر عدداً وهذا ما يخيف الأقل من الاندماج في الأكثر وكأنها مصارعة لا مصلحة وطن.
في فزان هذا الحاجز الاقليمي تلاشى تقريباً مع الزمن لكثرة التواصل بين الشمال والجنوب منذ عهود. القاعدة أمام النازح الفزاني كانت هي عدم الاعتماد على القبيلة أو المنطقة بل على العمل والجهد الشخصي فبهما يستطيع الفزاني إثبات ذاته في البحر البشري الواسع بالمدينة وهو لا يختلف في ذلك عن غيره من النازحين من المناطق القريبة أو البعيدة للعاصمة.
في الشرق حال البعد الجغرافي والموارد الوافرة دون كثرة الالتحام مع الغرب مما أكد عقلية الشخصية الشرقية شبه المستقلة عن الغرب، ولهذه الأسباب تطور توجس الأقلية من الأكثرية حتى صار التوحد تحت زعامة واحدة في الشرق أكثر منه في الغرب، أيام الجهاد تم التوحيد تحت راية شيخ المجاهدين عمر المختار، في الاستقلال التوحد تحت زعامة المرحوم إدريس السنوسي وهكذا في اغلب المواقف التي تفرض توحد الأقل ضد الأكثر.
الغرب الليبي أصعب للتشبع لعقلية الأكثرية الإقليمية التي تدخلت حتى في العلاقات بين الكتل القبلية الكبرى المكونة للسكان في الغرب، فالمحاميد لهم زعامة ومطامع وترهونة لها مطامع وزعامة وورفلة لها مطامع وزعامة ومصراتة لها مطامع وزعامة وأولاد أبو سيف لهم مطامع وزعامة والزنتان وغيرهم وهكذا مع البقية الامر الذي أتضح في مرحلة الجهاد ضد الايطاليين حين صعب بل تعذر توحد هذه الكتل القبلية والجهوية في كتلة واحدة تحت زعامة واحدة .
النقيضين أي شعور الأقلية بالتخوف من الأكثرية وشعور الأكثرية بالثقة في الذات القبلية او الجهوية كلاهما يصلا لنقطة يسهلون فيها الصعب، عندما ينعدم منطق النقاش وتبادل المنافع والمصالح يهرع كل منهما إلى التهديد بالانفصال، وكأنه أمر ميسور ومتوقف على أراداتهم الشخصية .
الواقع أن مثل هذا التبسيط للانفصال صعب على من يدرك صعوبته عالمياً حيث قوى كبرى لها مخططاتها وخططها ومشاريعها، وهل تحبذ الآن مسألة الانفصال أم لا، وبعد ذلك تأتي الصعوبة الأخرى وهي الكامنة في مسارات الانفصال وحل مشابك التواصل التي استمرت لما يقرب من مائة سنة علاوة على ما قبلها أي زمن العثمانيين والايطاليين حيث الوضع الإداري السياسي للبلد كان يتراوح مابين التوحد والاتحادية لكن الأغلب كانت وجود عاصمة واحده هي طرابلس واحياناً عاصمتين.
هذا إذا اضفنا التوحد أو التقارب الاثنى والحياة الاجتماعية والمذهب والدين والعادات والتقاليد واللغة واللباس والمأكل وغيرها كلها أمور أقرب إلى التوحد منها للانفصال، لهذا السبب سيكون من الصعب جداً تحقيق خطوة الانفصال باليسر الذي تقال به وتدفع البعض للتهديد به. انفصال بريطانيا عن السوق الأوربية طال زمنه نسبيا رغم انه نوقش مطولاً قبل التنفيذ. فما بالك بالمدة التي تقاربت فيها مناطق شرق وجنوب ليبيا مع غرب ليبيا. هذا على المستوى المحلي أما العالمي فان دولة مثل مصر وحتى تونس ترى في ابتلاع كتلة ضخمة كليبيا الحالية أمراً عسيراً عليها لكن مع الانفصال يمكن لمصر تحقيق هدفها وتونس وربما الجزائر أيضا، ولهذا نجد دول الجوار متخوفة من الانفصال لا خوفاً على ليبيا ولكن على كيفية تقاسم المغانم وأقوى من هؤلاء جميعا القوى العظمى التي تصطرع هي الأخرى على مناطق النفوذ وبسط السيطرة .
وللتذكير فقط فأن الغرب المسيحي صنع كيانات قزمية في الخليج منزوعة الصفة التاريخية والاستراتيجية لكنها صنعت صناعة ليسهل على القوى العظمى فرض إرادتها عليها وتوجيهها الوجهة التي يريدها وهي الآن عديمة الإرادة الحقيقية وكل ما تملكه هو العلم والنشيد الوطني والاسم وكل ما عداها بيد الغرب والذي يعمل على مسخها عن طريق الدين الابراهيمي وغيره بدل الإسلام، والتراث الحضاري الغربي بدل العربي الإسلامي تحت غطاء الدشداشة والجلابية للتذكير والتحنيط .
هذه المحاور جميعها تجعل التهديد بالانفصال أمراً عسيراً ومن الحكمة عدم التهديد به والاوجب هو إصلاح مفاسد الماضي لبناء المستقبل .
( أ . د . محمد الطاهر الجراري )
رئيس مجلس إدارة المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية
