بسم الله الرحمن الرحيم
شكراً
بيضاء السيرة والسريرة والزاوية
مشاركتي مؤتمرك هي:
رد دين
وإقرار بواجب
وأمل في مستقبل
ودعاء من الأعماق
يكلأ بلدي
ويجمع قومي
وينصر غزتي
إنه نعم المولى ونعم النصير
أيها السادة
مديرون
وإداريون
وأساتذة
وطلاباً
بوركتم جميعاً
وبورك مؤتمركم
السلام عليكم
عنوان مشاركتي هو
أثر الجغرافيا على حركة الليبيين في العصور الوسطى
ليبيا قارة واسعة وليست بلداً فقط، وأغلبها صحراء وتنتشر فوقها واحات تشبه جلد النمر تجاوزاً لأن بقع جلد النمر السوداء متساوية مع البقع الصفراء، أما واحات بلادي فهي متباعدة وتستهلك مخزونها المائي بكميات كبيرة مما أوصل بعضها إلى مرحلة الفقر المائي.
والصحراء كاللباس إذا تجاوزت القياس المطلوب أو نقصت صارت عدم، هذه الصحراء الواسعة فرضت في العصور القديمة أنماطاً معينة من السكان نجملها في الرحل والمستقرين كل شريحة من السكان تدبرت وسيلة لحياتها بما يتناسب معها ويتناغم مع صالح الشرائح الأخرى، فالرحل ساعدوا في هندسة وشق الطرق للقوافل وفي نقل البضائع وتسهيل التواصل، والحضر استقروا في تجمعات وفرت الأسواق والمخازن والمدارس والجوامع والمؤن اللازمة ووفرت في نفس الوقت للمتحركين على الطرق الضرورات المطلوبة.
هذه الرقعة الجغرافية الواسعة والصحاري الفاصلة بين مستقراتها فرضت قديماً أمراً يصعب تجاوزه وهو صعوبة وجود مقر لسلطة مركزية تحكم هذا الكيان الواسع كما تحكم القاهرة مصر أو تونس العاصمة بلاد تونس، رغم أن هذا الكيان الليبي مهم جداً للتواصل بين أوروبا وأفريقيا وحتى آسيا عن طريق تركيا. وبها أكثر وأسرع واسلم الطرق استعمالاً بين الشمال والجنوب وهي :
طرابلس – فزان – داكار – بورنو
طرابلس – غدامس – غات – كانو
بنغازي – الكفرة – واداي.
وعن طريق ليبيا كانت سلع ريش النعام والذهب والرقيق الأبيض والأسود والجلود وغيرها تصل إلى الشمال في حين تستورد أفريقيا ما تحتاجه من الملابس الفاخرة والأسلحة لملوكها.
كل ذلك كان يأتي عن طريق الطرق الليبية التي كان يستفيد منها الحاكم والتاجر والناقل والفلاح والصانع والفقيه والمدرس والعموم.
وكل هؤلاء حريصون على سلامة واستمرار الطرق التجارية الليبية وإذا ما حاول شخص ايقافها فان ذلك كان يعني خسارة لهؤلاء جميعاً.
لهذا عمل الجميع على تأمين التجارة لكن لأن البلد واسعة والسلطة فيها قاصرة على نقاط محددة فان مهمة الحماية وزعت على المناطق والسلطات المحلية سواء أكانت جهوية أو قبلية أو قطرية أو مركزية.
وأهم هذه المراكز هي:
الكفرة وأوجلة ومرزق وغات وغدامس ودرنة وطبرق ومصراتة وطرابلس وزلة وودان وجبل نفوسة وجرمة وزويلة وتراغن واجدابيا وسرت وجالو وبنغازي.
ولأن الإسلام هو القاسم المشترك للجميع فقد اعطى في أغلب هذه المراكز لقب “صاحب الصلاة” للإنسان القائم على تحصيل الرسوم من القوافل وضرائب أخرى فيرسل بجزء منها للسلطة العليا (العثمانية مثلاً) والباقي يتولى توزيعه بين الفرقاء الذين كان هو الحاكم عليهم.
وأهم قاسم مشترك بين كل هذه المراكز التجارية أو العواصم هو النزعة الاستقلالية التي جعلت ابن خلدون يقول عن هذه الواحات الليبية الآتي: “إن كل واحدة من هذه الواحات وطن مستقل ويشتمل على قصور عديدة ذات نخيل وأنهار”.
ولأن ذلك كذلك صار اللهم الأكبر هو مقاومة كل من يسعى للسيطرة على غيره مما يؤدي إلى تعطيل طرق التجارة في بلد متسع جغرافياً ذا مراكز لا مركز سلطوي واحد والتهديد المتواصل من قبل أي مغامر جهوي أو قبلي أو مركزي ، الأمر الذي كان يؤدي إلى الإرباك والفوضى واختلال الأمن بسبب الشعور بالغبن لتجاوز البعض حدود وضعه في أخذ نصيب غيره والاستحواذ على ما ليس له.
هذا الغبن يؤدي إلى الاحتقان والانفجار على هيئة صراعات داخلية تتطور أحياناً للاحتماء بالغير لإعادة التوازن وبالتالي اقتسام الفوائد.
بناءاً على كل ذلك شاعت ظاهرة تعدد الحواضر بدل الحاضرة والعواصم بدل العاصمة حيث تسطيع كل جماعة إدارة نفسها بنفسها عن طريق زعامات اجتماعية مستقرة وبدوية والطريقة الوحيدة لاجتماعهم واجماعهم هي حصول كل واحد منهم علي قسط من حرية التصرف والفوائد المادية مع الاحتفاظ ولو ظاهريا بنفوذ علي الأقل في منطقته وامام رعاياه. نتج عن هذه الالتزامات التي فرضتها الجغرافيا الصحراوية وقتها ان الوسيلة الأمثل للحكم في ليبيا هي التوافق لا السيادة وما نتج عن هذه المعادلة من سيادة عقد اجتماعي ليبي معلوم وغير مكتوب وجوهره الأساسي هي فلسفة أو ثقافة الذنب الديني والعار الاجتماعي. أو ما يعرف شعبياً بالبركة والدبوس أو البركة والحركة أو البركة والعصا .
ما يعني الدين الإسلامي والعرف الاجتماعي فالليبي مسكون بلازمتي الخوف ولو الظاهري من الله حسب ما نزل في القرآن والسنة والخوف من العار الاجتماعي أمام الآخرين.
وسأقف عند ثلاثة أمثلة شارحة ومؤكدة للخوف الديني والعار الاجتماعي. ليبيا كانت الممر الأنسب لأكبر قافلة حجيج تبدأ من غرب أفريقيا مروراً بالجزائر وتونس وتكبر حتى يصل أحياناً عدد جمالها إلى 30.000 ألف وأحياناً أربعين 40.000 ألف بعير تخترق ليبيا من الغرب إلى الشرق وصولاً إلى مكة.
هذه الكتلة البشرية الضخمة تجد المأوى والمرعى في ليبيا حيثما حلت كما أنها تآلفت مع الناس وتجانست وكونت شرائح بشرية صارت ليبية أباً عن جد. كما أن بعضها كون ممالك وأسر حاكمة وسلاطين كما حدث مع محمد الفاسي الذي أسس دولة أولاد محمد التي حكمت كل الجزء الجنوبي من ليبيا من 1510 م إلى 1813م.
ومصدر هذه الظاهرة هي الخوف من الله بالاحسان إلى قاصدي بيته والعار الاجتماعي من التقصير في واجبات حيال الضيف خصوصاً ضيوف الرحمن إلى بيته المبجل.
لقد عمل الجميع على تلبية كل المطالب المادية والروحية وكان كل الحجاج منضوين تحت مدارس فكرية صوفية أهمها القادرية والعيساوية والتيجانية والعروسية والاسمرية والسنوسية في كل قرية ومدينة ومستقر ليبي توجد به زاوية لكل هذه المدارس الصوفية.
حرص أنصار كل مدرسة على تأسيس زاوية بها ومرافقها الروحية والمعيشية بحيث تحولت هذه الزاوية الصوفية إلى مؤسسات خدمية مادية وروحية تقوم مقام المؤسسات الفندقية ، فالحاج الغير ملتزم بأي من هذه الطرق والقادر على تدبير نفسه يستطيع الالتحاق بالخانات والفنادق المتوفرة في اغلب المدن الكبيرة، أما في الواحات والقري فان الزوايا كانت المقصد للحجاج. ففي بلد مثل آقار الشاطئ الواقعة على طرق قوافل الحجاج توجد زاوية لكل طريقة صوفية . فالحاج المتبع للطريقة العيساوية مثلا يستطيع التأكد من أنه علي طول الطريق من المغرب والجزائر وتونس أو من غرب افريقيا وحتي مكة سيجد فرعاً لزاويته أينما حل فعند وصوله لآقار مثلاً يقصد الحاج المسافر الجامع الكبير بآقار لأداء الصلاة المفروضة وهناك قبل أو بعد الصلاة يتم استقباله والتعرف عليه وعلى طريقته بعدها يقوم شيخ الطريقة باستلامه وتامين اقامته وزوجته ومن معهم.
وحتي لا يكون ذلك عبأ ماديا على مسؤول الزاوية كان لكل زاوية وقف يصرف منه على المريدين المسافرين من والي مكة ، لتحقيق كامل فرائض الأركان الصوفية يرتب شيخ الزاوية للزائر حلقة او حلقات تتلى فيها اوراد الطريقة ليشعر خلالها الضيف بانه جزء من دائرة كبيرة متصلة الحلقات من بلده حتي مكة والعودة.
هذا العقد الاجتماعي هو الذي على أساسه في 1880 م رفضت القبائل الليبية الشرقية دفع الضرائب للدولة العثمانية لا عن شح ولا عوز ولكن حتى لا تلحقها وصمة العار الاجتماعي بانها خافت من السلطة وخضعت لها لأنها في نفس الوقت حملت للزوايا السنوسية خمسة (5000) الاف جمل محملة بالحبوب والتمور زكاة تنفيذا لأوامر الله وخوفا من ذنبه . وفي سنة 1919 أعلنت الجمهورية الطرابلسية من قبل أربعة رؤساء قبائل ومناطق حضروا الاجتماع بدافع اتقاء الذنب الديني أي الخروج على الجماعة والاجماع لكن كل واحد منهم تمسك بقوة بالامتناع عن أي شيء قد يسبب له أو لقبيلته أو المنطقة العار الاجتماعي لأنه خضع واخضع قبيلة او منطقة لجهة اخري لهذا عاد كل واحد منهم بمجرد انتهاء الاجتماع إلى معتاده وخصوصيته القبلية والجهوية وكل منهم يرى في نفسه حاكم لحكومة مستقلة لوطن مستقل.
وأختم بتأكيد أن الجغرافيا في العصور الوسطى والصحراء منها بالذات فرضت التباعد الذي نتج عنه حب الحرية للذات والقبيلة والمنطقة والإقليم الأمر الذي قاد إلى قيام هويات قبلية وجهوية ومناطقية وإقليمية تنتهي كلها عند الهوية الليبية الإسلامية. هذه الهويات كانت تتداخل وتتكامل فالقبيلة تتكامل مع الهوية الجهوية وكلاهما يتكاملان مع الهوية الإقليمية والتي بدورها تتكامل مع الهوية الإسلامية العليا التي شكلت العقد الاجتماعي الليبي المبني على قاعدتي الذنب الديني والعار الاجتماعي.
والســـــــــــــــــــــلام
أ.د. محمد الطاهر الجراري
رئيس مجلس إدارة المركز
الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية

