جاء المركز لتأصيل الأصالة الليبية العربية الإسلامية الإنسانية وهذا ما سخر له كل مشاريعه العلمية وجهده العلمي بالكامل واعتمد كل هذا العطاء على مفهوم أن الحضارة انسانية والثقافة خصوصية ، ولكن فرق بين الحضارة العالمية التي تسعى لجمع البشر والحضارة المتسلطة التي تسعى للاستحواذ والاستدمار.
ويترتب على هذا الفهم الإقرار بان الحضارة جاءت نتيجة جهد إنساني مشترك. صحيح أن لكل جماعة قسطها الأكبر أو الأصغر في الجهد لكن الجميع ساهم بشكل أو بآخر في هذا الذي نتمتع به الآن فبعد عصر الأديان السماوية المرسلة لكل البشر جاء عصر البخار والكهرباء الذي اشترك في تطويره كل البشر وبعده جاء عصر تكنولوجيا المعلومات والكمبيوتر والتجارة الإلكترونية وغيرها من التطورات العلمية التي جعلت العالم قرية صغيرة مما استوجب عولمة كل شيء وتقريب البشر بعضهم لبعض. وكما في أي ظرف تاريخي وتطور حضاري . فقد ساهم البشر كلهم في هذه اللحظة التاريخية وليس من حق أحد أدعاء هذا الظرف التاريخي الإنساني له وحده أو تفسيره لصالحه ، كما تفعل أمريكا والغرب عبر سياستهما الاستدمارية ومواقفهما الانتقائية ومعاييرهما المزدوجة التي يرفضها العالم أخلاقياً وينفذها سياسياً بفعل الإكراه لا الاقتناع. ومن المعلوم لكل ذي بصيرة إن الجامعات والمعامل تغص بالخبرات من جميع انحاء العالم وهم الذين يصنعون التقدم .
صحيح أن العالم صار قرية صغيرة ولكن على الجميع الاستعداد له والتكيف معه تحقيقا للتوحد والتعايش المشترك الذي يجمع الجميع عبر قيم إنسانية عليا مع استمرار المحافظة على التمايز في الخصوصيات الثقافية تماما كما حدث في فضاء المرحلة الدينية حين احتفظت كل ثقافة بخصوصيتها داخل الحضارة الواحدة . فالفارسي والعربي والصيني والماليزي والأفريقي والهندي مسلمون لكن لكل إسلام خاص به متكيف مع ثقافته . نفس الشيء سيتم الآن ، هناك عولمة وتقارب جسدي وانتقال واتصال سريع ومباشر مما سيؤدي إلى اختلاط الأعراق والأنساب والثقافات ولكن سيبقي لكل خصوصيته داخل هذا الخضم الواسع .
هذه الخصوصية ستبنى على قاعدة التنوع الإيجابي وليس التطرف العرقي أو التعصب الديني أو الثقافي ، أو الطمع المالى . فالتطرف الديني الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي هو تعالٍ ومغالاة في إظهار التمايز عن الآخر وكذلك الحال بالنسبة للتطرف العنصري والانغلاق العرقي للجماعات أو لبعض الجماعات العرقية ، هو نوع من الاستجابة السلبية والمغالاة في إظهار التمايز وتعبير عن حالة من الخوف على الذات ونقاء الدم. وهو بالتالي عنصرية عرقية وتطرف عرقي لا يختلف عن النازية والفاشية والتعصب القومي ومن أبرز نماذجها الحالية العنصرية الصهيونية واليمين الأمريكي المتطرف وغلاة القومية العربية أو البربرية أو الكردية أو غيرها .
والعلاج لكل هذه المواقف المتطرفة والمتعصبة هو:
1) التسامح الثقافي الذي سيحفظ الخصوصية لكن سيؤدي إلى التلاقح بين الأعراق والأفكار وإنتاج مكونات جديدة تسمح بتطوير الواقع وتجاوز سلبياته وإفراز نماذج ثقافية وحضارية وحتى عرقية جديدة داخل كل ثقافة .
2) لابد من تحذير القيم الإنسانية وحرية الفكر وديمقراطيته لدى الجميع حتى يتمكن كل فرد أو جماعة من اختيار ما يريده وعدم إكراهه على نموذج أو نسق فكرى سائد .
3) لابد من رفض العنصرية بجميع أشكالها الفكرية والعرقية وعدم التمسك بما يوحى بها فالإصرار على القومية العربية أمر لا يجب التطرف فيه ، ولابد من الاعتراف بالأقوام والثقافات الأخرى كالفارسية والبربرية والكردية والآشورية والأرمنية والتركية والأفريقية وغيرها . وهذا سيتبع إلغاء المسميات المرتبطة بها والالتزام والاحتكام إلى المسميات الجغرافية .
4) رفض التدجين بحجة التطوير المؤدي الى مسخ الذات الاصلية وافراغها من مكونها العقدي والفكري واستبدالها بهويات أخرى حتى يتحول بعدها المدجن إلى طبل لصوت الآخر ومسخ مقرع من هويته وغريب في الهوية المستنبتة .
5) باسم الدين أو القومية يرفض البعض الانفتاح على الآخر ويصرون على التنمية المستقلة وهذا تعصب وإصرار على معاودة الجهد وأتعاب النفس في أمور جربها العالم ووجد لها حلولا وهذا الأمر ينطبق على الأمور التقنية أو الفكرية . مادام الآخر قد وصل إلى نتائج عملية علمية مرضية للجميع لابد أن نبدأ من حيث انتهى . مع شرط أساسي وجوهري وهو المساهمة الجادة في التطوير من حيث انتهى هو ، وبدل الجهد المطلوب لذلك عملاً بنصيحة ابن رشد الذي حدد تقدم الشعوب بالآتي: (( الأمة المرشحة للتقدم هي الأمة التي تحب العمل وتتقن العمل )) وتبدع العمل ، والابداع لا يكون بالوصول إلى ما وصل إليه الغير فقط ولكن الزيادة على ما وصل إليه الغير.
أ.د. محمد الطاهر الجراري
رئيس مجلس إدارة
المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية
